محمد محمد أبو موسى

237

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

بِالْغَيْبِ » إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال المقدر وجئ بصفة « المتقين » المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من أن يلطف بهم ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم ، أي الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم اللّه ويعطيهم الفلاح ، ونظيره قولك : أحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الأنصار الذين قارعوا دونه وكشفوا الكرب عن وجهه أولئك أهل المحبة ، وان جعلته تابعا ل « المتقين » وقع الاستئناف على « أولئك » كأنه قيل : ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى ؟ فأجيب : بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا ، فان قلت : هل يجوز أن يجرى الموصول الأول على « المتقين » ، وأن يرتفع الثاني على الابتداء ، و « أولئك » خبره ؟ قلت : نعم على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح » « 3 » . فموضوع النظم هنا : بحث علاقة الجملة بالجملة وبيان وجه ارتباطها بها ، والأسرار المعنوية التي وراء هذه الارتباطات ، وإذا كان الاعراب يبين لنا أن « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » مبتدأ و « أُولئِكَ عَلى هُدىً » في محل رفع خبرا لهذا المبتدأ أو أن « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ » تابع « للمتقين » بدل منه ، وجملة « أولئك » لا محل لها لأنها وقعت موقع الاستئناف إذا كان علم الاعراب يبين لنا هذا فان علم النظم هو الذي يبحث عما وراء هذه الصناعة النحوية ويفسرها ويكشف لنا ألوان المعنى التي وراءها ، ولهذا تراه يقول : وإذا ارتفع الموصول الثاني على الابتداء - وهذا وجه ثالث من التخريجات النحوية - يعطى التركيب معنى جديدا يفهم من عرضه ويكون فيه غمزا لأهل الكتاب . وعلم النظم هو الذي يبرز الأسرار والنكت في أسلوب القرآن ويكشف الفروق المعنوية الدقيقة بين خصوصيات التراكيب ويربط هذه الخصوصيات بالسياق والغرض العام .

--> ( 3 ) الكشاف ج 1 ص 34